2011-08-11 |
تأتي رواية 'الرقص على أسنة الرماح' الصادرة عن بيسان للنشر والتوزيع والإعلام للروائية السعودية رحاب أبو زيد لتعالج القضية التي لا تنفك تلف خيوطها على عنق المرأة السعودية بوجه خاص والعربية بصفة عامة... المجتمع الذكوري بكل ما يحمل من ثقل واستبداد ومعايير مزدوجة تربك وعي المرأة وتؤسس لمساحاتها الاجتماعية أمكنة في منتهى الفوضى وعدم الوضوح. هذا المجتمع الذي أوقع المرأة في أزمة ثقة كبيرة بينها وبين نفسها، وبينها وبين الرجل، وبينها وبين القبيلة، وبينها وبين المجتمع. حاولت أبو زيد أن تسلط الضوء على هذه المساحة عبر بطلتها 'البتول' في مشاهد أشبه بفلاشات سردية متنوعة ابتداء من والدها (سي السيد) ومروراً بصديقاتها اللواتي حملن عوالم مختلفة وحيوات تقترب كثيرا من البتول وتبتعد أحيانا لدرجة الغربة عنها، سمر (زميلتها التي تولّدت من انقسام المجتمع بدون استعداد ولا تمهيد ليجد نفسه ضفة في اليسار الثوري وضفة أخرى في أقصى اليمين الرجعي الشرس!) وإيمان (تلك الصديقة التي نخلقها للبوح والفضفضة ثم نعلبها في براويز الذاكرة لوقت بوح آخر) ووفاء(الصحافية الثورية التي ما إن تهدأ من فكرة حتى تعانق بعراك شديد فكرة أخرى لكنها لا تتردد أبداً في سرقة الأفكار لتكتبها باسمها في صحيفتها) لتنتهي فلاشاتها بعالم الرجل عبر شخوص تركي (حبيبها السري الذي خذلها رغم منحها جسدها له) وعماد (زوجها الشاعر الخائن وطليقها المقيت لاحقاً) وفؤاد (حلمها المنتظر). القبيلة في الرواية ليست بدعاً عن سياقها العام التي تتوالد فيها جميع الأفكار الذكورية السائدة، فهي هنا ما زالت تلك الحاضنة لثقافة العشيرة والحارسة للفضيلة مثل صمام أمان يقي من الفوضى المفترضة، ومن خروج المسكوت عنه للسطح فتنكشف أسراره المخفيّة عنا علناً! وإذا كانت القبيلة في الدراسات الاجتماعية المعاصرة لم تتخلص بعد من قواعدها الأساسية التي ابتنيت عليها غير أنها في رواية أبو زيد متجاوزة لهذا الخناق، حيث نجد سمر عندما تواجه مصيرها بعد رفض قبيلتها لزواجها من ذلك الرجل الذي لا يتوافق معها بالنسب القبلي تقرر الهرب لتعيش حياتها! ورغم ان الإحصائيات تؤكد أن حالات الهروب المناطة تحت هذا السبب في حالة تزايد واطّراد سنوي غير أن الواقع القبلي يرفض حتى الحديث عن تفاصيل هذه القضايا، أو المساس بها، لذا فقد يواجه القارئ شعورا بالخوف في جنبات البنية السردية، وكأنها جدران قدّر لها حتى في مخيال السارد أن تكون مخيفة ومقيّدة بسلطة القبيلة (السجن)! لهذا فالشعور يرافقك في اثني عشر فلاشاً سرديا، ذلك الشعور بالرغبة في الانفلات من ربقة التقاليد والعادات واليوميات للتحليق ناحية أفق أكثر اتساعاً! الأمر نفسه سيلمسه القارئ حين تواجه البتول مصيرها مع زواجها، فلقد ألقت كل شيء خلف ظهرها لتعترف أن كل ما حصل من زواج وتضحيات ورقص على أوجاع القلب كان نكاية بحبيبها تركي! وعلى خلاف سنّة الرواية السعودية المعاصرة المتقاطرة بالجسد أتت هذه الرواية متخففة إلى حد كبير من الاحتفاء بالغرف السرية وكتل اللحم المحشو في تفاصيل مجايلييها من الروائيين والروائيات السعوديين، مشهد واحد فقط اقترب من توصيف لقاء حميمي بين تركي والبتول في غرفة أنيقة بفندق ما في العاصمة الرياض، لكن البتول لم تمهل حبيبها أكثر من افتراس ثديها لتصحو من جنونها وتغادر الفندق وهي مصدومة مما حصل، وكأن الذاكرة (العاطفة) هنا تحاول أن تستعيد عقلانيتها إزاء انهيار سلطة القبيلة عليها! هل كانت تعي رحاب أبو زيد هذا الهروب من الجسد في روايتها، هل كانت تذهب قصداً ناحية هذه الإرادة في بنية الرواية أم إنها (الساردة) واقعة هي الأخرى في فخ غوانتنامو المفترض؟! على القارئ أن يذهب بقراءته لنتيجة ما، غير أن البتول هي الأخرى حين تستعرض عضلاتها الثقافية أمام الأستاذ فؤاد فإنها تذهب لروايتين بالتحديد: رواية 'العطر' لباتريك زوسكيند، و'إحدى عشرة دقيقة' لبولو كويلو. وكلنا يعرف تماماً مقدار الاحتفاء بالجسد في هاتين الروايتين العظيمتين، لكنه احتفاء من نوع آخر لا يتقاطع أبداً مع روايات ليبولد فون ساشر مازوش الجنسية الشبيهة بفيلم إباحي مكتوب! تستمر أحداث الرواية بين مدينتين سعوديتين كبيرتين، الرياض التي لم نتحسس حضورها نهائيا في بنية المكان السردي الروائي إلا عبر جمل سريعة مقتضبة لا تكاد تذكر، وجدة التي تنفست بشوارعها قليلا في الفلاش العاشر حين وصفتها ضمنا وهي تلوّح برسالتها لفؤاد. تلك الرسالة ـ على ما يبدو- أيقظت ذاكرة المكان لدى البتول! هذا المكان الروائي الذي اختبأ كثيراً عند الزمن السردي بمستوى واحد فقط هو الزمن النفسي! وأعتقد ان الإرادة السردية لدى رحاب أبو زيد كانت واعية تماما عندما غيبت ملامح الزمن الفيزيائي ولعبت على إيقاع المكان السردي المنفرد! 'الرقص على أسنة الرماح' رواية سعودية معاصرة حاولت أن تفتّح الأبواب على عوالم مسكوت عنها في ذاكرة القبيلة عبر فتح دفاتر البتول وعلاقتها بحيواتها اليومية البسيطة، وربما تكون رحاب أبو زيد نجحت في ايقاظ هذا المعنى وربما أخفقت، لكنها بالتأكيد علّقت الجرس على باب غوانتنامو! ولعلها ما زالت تنتظر من يقرعه بعدها، فإن تكتب بذاكرة امرأة في مجتمع ذكوري محافظ أمر شبيه بوضع رأسك الحر بين المطرقة والسندان! وسألوح بما كتبته الدكتورة أحلام عبد القدوس حول الرواية حين قالت: 'هنا مثلث معاناة جيل من النساء بينه وبين ماضيه فجوة أفقدته هويته الحقيقية'. شاعر سعودي |