المتابعون

السبت، أغسطس 13، 2011

قراءة للأستاذ الشاعر السعودي زكي الصدير حول رواية "الرقص على أسنة الرماح" نشرت في جريدة القدس العربي بتاريخ الجمعة 11/08/2011 الموافق 11/09/1432هـ


القبيلة (الأسرة) بوصفها غوانتنامو
'الرقص على أسنة الرماح' أنموذجاً
زكي الصدير
2011-08-11


 
تأتي رواية 'الرقص على أسنة الرماح' الصادرة عن بيسان للنشر والتوزيع والإعلام للروائية السعودية رحاب أبو زيد لتعالج القضية التي لا تنفك تلف خيوطها على عنق المرأة السعودية بوجه خاص والعربية بصفة عامة... المجتمع الذكوري بكل ما يحمل من ثقل واستبداد ومعايير مزدوجة تربك وعي المرأة وتؤسس لمساحاتها الاجتماعية أمكنة في منتهى الفوضى وعدم الوضوح. هذا المجتمع الذي أوقع المرأة في أزمة ثقة كبيرة بينها وبين نفسها، وبينها وبين الرجل، وبينها وبين القبيلة، وبينها وبين المجتمع.
حاولت أبو زيد أن تسلط الضوء على هذه المساحة عبر بطلتها 'البتول' في مشاهد أشبه بفلاشات سردية متنوعة ابتداء من والدها (سي السيد) ومروراً بصديقاتها اللواتي حملن عوالم مختلفة وحيوات تقترب كثيرا من البتول وتبتعد أحيانا لدرجة الغربة عنها، سمر (زميلتها التي تولّدت من انقسام المجتمع بدون استعداد ولا تمهيد ليجد نفسه ضفة في اليسار الثوري وضفة أخرى في أقصى اليمين الرجعي الشرس!) وإيمان (تلك الصديقة التي نخلقها للبوح والفضفضة ثم نعلبها في براويز الذاكرة لوقت بوح آخر) ووفاء(الصحافية الثورية التي ما إن تهدأ من فكرة حتى تعانق بعراك شديد فكرة أخرى لكنها لا تتردد أبداً في سرقة الأفكار لتكتبها باسمها في صحيفتها) لتنتهي فلاشاتها بعالم الرجل عبر شخوص تركي (حبيبها السري الذي خذلها رغم منحها جسدها له) وعماد (زوجها الشاعر الخائن وطليقها المقيت لاحقاً) وفؤاد (حلمها المنتظر).
القبيلة في الرواية ليست بدعاً عن سياقها العام التي تتوالد فيها جميع الأفكار الذكورية السائدة، فهي هنا ما زالت تلك الحاضنة لثقافة العشيرة والحارسة للفضيلة مثل صمام أمان يقي من الفوضى المفترضة، ومن خروج المسكوت عنه للسطح فتنكشف أسراره المخفيّة عنا علناً! وإذا كانت القبيلة في الدراسات الاجتماعية المعاصرة لم تتخلص بعد من قواعدها الأساسية التي ابتنيت عليها غير أنها في رواية أبو زيد متجاوزة لهذا الخناق، حيث نجد سمر عندما تواجه مصيرها بعد رفض قبيلتها لزواجها من ذلك الرجل الذي لا يتوافق معها بالنسب القبلي تقرر الهرب لتعيش حياتها! ورغم ان الإحصائيات تؤكد أن حالات الهروب المناطة تحت هذا السبب في حالة تزايد واطّراد سنوي غير أن الواقع القبلي يرفض حتى الحديث عن تفاصيل هذه القضايا، أو المساس بها، لذا فقد يواجه القارئ شعورا بالخوف في جنبات البنية السردية، وكأنها جدران قدّر لها حتى في مخيال السارد أن تكون مخيفة ومقيّدة بسلطة القبيلة (السجن)! لهذا فالشعور يرافقك في اثني عشر فلاشاً سرديا، ذلك الشعور بالرغبة في الانفلات من ربقة التقاليد والعادات واليوميات للتحليق ناحية أفق أكثر اتساعاً! الأمر نفسه سيلمسه القارئ حين تواجه البتول مصيرها مع زواجها، فلقد ألقت كل شيء خلف ظهرها لتعترف أن كل ما حصل من زواج وتضحيات ورقص على أوجاع القلب كان نكاية بحبيبها تركي!
وعلى خلاف سنّة الرواية السعودية المعاصرة المتقاطرة بالجسد أتت هذه الرواية متخففة إلى حد كبير من الاحتفاء بالغرف السرية وكتل اللحم المحشو في تفاصيل مجايلييها من الروائيين والروائيات السعوديين، مشهد واحد فقط اقترب من توصيف لقاء حميمي بين تركي والبتول في غرفة أنيقة بفندق ما في العاصمة الرياض، لكن البتول لم تمهل حبيبها أكثر من افتراس ثديها لتصحو من جنونها وتغادر الفندق وهي مصدومة مما حصل، وكأن الذاكرة (العاطفة) هنا تحاول أن تستعيد عقلانيتها إزاء انهيار سلطة القبيلة عليها! هل كانت تعي رحاب أبو زيد هذا الهروب من الجسد في روايتها، هل كانت تذهب قصداً ناحية هذه الإرادة في بنية الرواية أم إنها (الساردة) واقعة هي الأخرى في فخ غوانتنامو المفترض؟! على القارئ أن يذهب بقراءته لنتيجة ما، غير أن البتول هي الأخرى حين تستعرض عضلاتها الثقافية أمام الأستاذ فؤاد فإنها تذهب لروايتين بالتحديد: رواية 'العطر' لباتريك زوسكيند، و'إحدى عشرة دقيقة' لبولو كويلو. وكلنا يعرف تماماً مقدار الاحتفاء بالجسد في هاتين الروايتين العظيمتين، لكنه احتفاء من نوع آخر لا يتقاطع أبداً مع روايات ليبولد فون ساشر مازوش الجنسية الشبيهة بفيلم إباحي مكتوب!
تستمر أحداث الرواية بين مدينتين سعوديتين كبيرتين، الرياض التي لم نتحسس حضورها نهائيا في بنية المكان السردي الروائي إلا عبر جمل سريعة مقتضبة لا تكاد تذكر، وجدة التي تنفست بشوارعها قليلا في الفلاش العاشر حين وصفتها ضمنا وهي تلوّح برسالتها لفؤاد. تلك الرسالة ـ على ما يبدو- أيقظت ذاكرة المكان لدى البتول! هذا المكان الروائي الذي اختبأ كثيراً عند الزمن السردي بمستوى واحد فقط هو الزمن النفسي! وأعتقد ان الإرادة السردية لدى رحاب أبو زيد كانت واعية تماما عندما غيبت ملامح الزمن الفيزيائي ولعبت على إيقاع المكان السردي المنفرد!
'الرقص على أسنة الرماح' رواية سعودية معاصرة حاولت أن تفتّح الأبواب على عوالم مسكوت عنها في ذاكرة القبيلة عبر فتح دفاتر البتول وعلاقتها بحيواتها اليومية البسيطة، وربما تكون رحاب أبو زيد نجحت في ايقاظ هذا المعنى وربما أخفقت، لكنها بالتأكيد علّقت الجرس على باب غوانتنامو! ولعلها ما زالت تنتظر من يقرعه بعدها، فإن تكتب بذاكرة امرأة في مجتمع ذكوري محافظ أمر شبيه بوضع رأسك الحر بين المطرقة والسندان! وسألوح بما كتبته الدكتورة أحلام عبد القدوس حول الرواية حين قالت: 'هنا مثلث معاناة جيل من النساء بينه وبين ماضيه فجوة أفقدته هويته الحقيقية'.
شاعر سعودي

الأحد، مايو 25، 2008

(إلى طفل الطائرات الورقية ) To The Kite Runner


" يا حبيباً زرتُ يوماً أيكه ...

"
هل لي بفنجان قهوتك ....

لكن بشرط ...




ألاّ تغسله..
دعني أمتشق ما نفثته فيه من وجع..


وخطوط ولع..


دعني أستنكه ما ذاب فيه من بقايا
ما تبقى ..
مما استعذب الفنجان ..
من مذاق أنفاسك !

إلى مريم .. مع طرد محبة

آمنت أخيراً أننا نتعلم من تجاربنا من أجل العلم فقط .. لنوقع على عريضة الألم تحت بند " عُلم " !
لكن ليس لتجنب حماقات مقبلة أو أخطاء تقل فداحة عن أخرى ارتكبت دون علم!

يا عزيزتي ..
الفرق الوحيد في اختلاق أعذار جديدة! فعند الخطأ الأول يمكنن القول " لمن نكن نعرف ! "
عند الخطأ الثاني
يمكننا القول " لم أتوقع الغدر " !

كلاهما تم بذات الجهل فقط .. لأننا مؤمنين بضرورة التجربة وإعادة قلوبنا لخط سير الحياة لتمضي دون توقف..

دعينا لا نتوهم أننا نعرف أكثر الآن..
دعينا ننسى ما تعلمناه لأننا لو رسمناه نصب أعيننا فسيسبب حساسية التوتر وتشنجات الخوف لجهازنا
الدوري..

صديقتي ...

لنحتمل السقوط مجدداً ...

فالشك لن يقينا من الخسائر قيد برهة وجع!

الخميس، مايو 22، 2008

سيمون .. بين التمثل والإسقاط (أنواع من الإرهاب العاطفي ) 2


سيمون .. عنوان فيلم للبطل العالمي المبدع الشهير ألباتشينو .. يحكي الفيلم قصة مخرج يحاول الخروج عن النمطية والتكرار في فيلمه القادم.. يبحث عن بطلة مثيرة وشهية وقادرة على إيصاله للنجومية وتعويض خسارته المعنوية والمادية.. فيتوصل إلى فكرة ابتداع بطلة بواسطة شفرة سرية كمبيوترية .. باستخدام هذه الشفرة يتمكن من خلق وجوه مختلفة وفق اختياراته، ويتمكن من جعلها تحرك شفتيها بمجرد تحدثه هو في الميكروفون.. كما تمكنه من تغيير الملامح والملابس ومن إنزال خط ثلجي من العيون كأنه دموع ! وفعلاً بدأ المخرج في إعداد بطلة فيلمه القادم بواسطة الكمبيوتر .. فاختار لها الملابس ولون الشعر وقصة الشعر وشكل شفتيها وعينيها بطريقة القص واللصق من وجوه مشاهير آخرين.. اختار لها صوتاً لعوباً لا يشبه أحد.. ثم وفّق المشاهد وركّبها فوق مناظر طبيعية في أماكن مختلفة.. وأحضر ممثلين شباب للتمثيل وحدهم ومن ثم أقنعهم بأنها ستظهر واقفة أمامهم في الفيلم بتقنية تركيب المشاهد بطريقة فائقة الدهشة وعالية الإتقان بحيث لم يستطع أحد إنكارها أو عدم تصديقها !
في جانب آخر أتقن التهرب من ملاحقة الصحافة حول إمكانية لقاء هذه السيمون .. كل مرة بسبب، فتارة هي متعبة .. وتارة أخرى تخشى الأضواء ولقاء الناس !! عشق الناس في جميع أنحاء الأرض سيمون، حتى طالبوه بفك الحصار المنصوب حولها وملاقاتها وملامستها "حقيقة" يعيشونها بجميع حواسهم ! لم يكتف بجعلها تمثّل، بل استخدم أشعة الليزر لتقف على مسرح أمام بث حي منقول إلى شاشات كافة مدن العالم المتشوق لرؤية " سيمون " ! أحبها الناس حباً جنونياً .. وبلغت ذروة شهرتها وتألقها في المقابلات التلفزيونية التي كان يجريها عبر النقل الكمبيوتري ويجيب هو عن جميع الأسئلة ويجعلها تضحك وقتما يريد .. وتنزل دمعة ثلجية تستجلب شفقة المشاهدين ودموعهم " الحقيقية " وقتما يريد ! وصل به الأمر أنه يريد قتلها لينتهي من المعضلة التي خلقها بنفسه لنفسه .. احتار كيف يتخلص من هذا الضجيج ᘧلراكض بنهم خلف سيمون ، خرج على الصحافة معلناً موت سيمون، ثارت الأرض حزناً على فقد الجمال والألق والبهجة والوهم الذي ساعدهم على تجاوز حواجز الرتابة والاعتيادية.. بل وحلّقت بهم نحو سماوات من الأحلام والآمال والمتعة، وعند إنزال التابوت إلى القبر .. هرعت الشرطة للإمساك بالمخرج المتهم بقتلها .. حيث شك محبوها أنه هو قاتلها لأنها ماتت فجأة دون مقدمات .. حاول إقناعهم في التحقيقات أن شخصية سيمون ما هي إلا شخصية وهمية من اختراعه وأنه برئ من القتل، ولكن هيهات .. من سيصدّق " الحقيقة " ؟!! صدّق الناس الشخصية المزيفة .. وانبهروا بها لكنهم عجزوا عن الإيمان بالصدق والحقيقة !!! ورغم أن الصدق منجاة.. لكننا في زمن الزيف والخديعة ! اكتشفت حبيبة قديمة له سر سيمون في معمله الكمبيوتري، وطارت إلى الشرطة معلنة عودة سيمون إلى الحياة .. وجعلتها تتحدث إلى الناس!! فغادر السجن وعاد للكذب مضطراً وواصل تقمص الشخصية المفبركة ليبقى حراً ! متعجباً من حال الناس الذين رفضوه " حقيقياً " ! وأوصلوه مدارك الملوك " مزيّفاً " وهكذا أنقذه كذبه.. وورطه صدقه !

وهذا هو حال المعركة الدائرة بين العبث والعذاب .. بين الحب والسراب .. بين الحقيقة والزيف، هل ستعتمد صكاً تنازلياً عن مبادئك .. لتتءقلم وفيروسات الزيف ، أم سترمي بنفسك من فوق أعلى قمة للوجع حتى ؄ا تتلوث دواخلك وبساتينك !!

لا محالة، ستشرع عينيك ذات حدأ.. فتجد أنك ؊حولت لمكب نفايات وطاولة نادل بȧر .. يفضفض لديه كلٍ بأسراره وادعاءاته وتلفيقاته مجللاً صورته الشوهاء.. ثم يرمي أمامك بزيفه واعترافاته الفضائحية وأفعاله القذرة بالناس في لحظة صدق وحيدة ... تأتي مرة كل عام !! لا يلبث ويفيق منها على جناح السرعة..

ثمة صوت نازف مغرق في الوجع .. يوقظ فيك الضمير والنباهة الناشئة عن الحس بعيد المدى.. وشفافية الروح ..

ليتهم يتعلمون قول الحقيقة .. وليتهم يعلمون أن الحقيقة لو لم تجد ظلاً لها مشت بجانب الجدار خشية أصابع العبث، واحتفظت بقوتها إلى حين تنقلب الأرض بمن عليها ..
إلى أن يبعث الله معصوماً يقتل الزيف في مخدعه .. ويعيد نصاب الصدق .. ويدحر قوى الظلم والخبث والشر ..

إلى ذلك الحين.. فلنتدثّر بالحقيقة أكثر .. ونتمسك بحبل الله .. ونحمل لواء كلمة صدق..
فالصدق منجاة ............. ولو بعد حين !

لا تدع الجمرة من بين يديك مهما حاولوا إطفائها بلؤمهم وخبثهم واستعمالهم لخصوصيتك وتبريحاتك لهم يوماً ما في لحظة توحد ! فكم أجادوا اقتناص كل أسرارك وبحثوا في أعماقك عن نقطة ضعف يلوون بها ذراع الكرامة.. ويدفعون بالحب ليلقى مصرعه على حاوية نفايات.. ومن ثَم هاوية أشلاء متراكمة !

لن يطفئوا إلا توهجهم بالزيف كلما تقادم زمن الادعاء، ولن ينالوا إلا من الدمار الذي يقبعون تحته كبقايا أبنية زلزلها الحق ! لن .. ولن ..

" يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم، والله متم نوره ولو كره الكافرون " الصافات آية 8، سعيهم الحثيث على خشبة المسرح هو إطفاء نور الحق .. وأي إشراقة لمبدأ مغاير لخطتهم ..

ستُسحل رقبة عنجهيتهم على أرصفة العناء بخنجرهم نفسه الذي استعملوه ذات نجاح مستقطع في طعن براءة الناس.. وسيُنفَون إلى بلاد اللاعودة .. حيث لا جمهور يصفق لزيفهم ولا يخدعه الضوء المنبعث من خلف الستار .. يحسبه الظمآن تألقاً وجمالا.. وهو تصميم محكم التنفيذ بإنارة موزعة توزيعاً فنياً .. تسلط على قناع ملطخ بالميك أب والدهانات المختلفة ليس إلا !

ولتثق تمام الثقة .. أنهم كلما أمعنوا في الغرور .. افترشت الضغينة منزلاً جديداً بداخلهم، وكلما
هبت على خديك لكمة أو لطمة .. كلما ازددت عنفواناً وثورة وتمردا...

وحينها ستدرك أنك لم تعد قادراً على تحمل وجودهم ضمن دائرة تنفسك ..
وستدرك أن حتى " الطِيب " و " الطيّب " بهم أنت في غنى عنه .. وسترحل تثميناً للمتبقي من عقلك المنهك بمساحات همِّهم !! وقلبك المصاب بداء البياض .. والتسامح !!!


وستغني على شُرفات الذكريات المسروقة " ما في داعي من حنانك .. "

الأربعاء، مايو 21، 2008

سيمون بين التمثل والإسقاط (أنواع من الإرهاب العاطفي ) -1-


لِما تحلو لنا عمليات الاستثمار الفاشلة والبيع والشراء في مشاعر من يكنون لنا المحبة العميقة !! وتزداد المتعة كلما تأكد لنا أنهم يقعون تحت سطوة الضمان العاطفي المسجّل باسمنا وضمن نطاق كفالتنا الوجدانية.. فنقسو أكثر ونمعن في التعالي والتلاعب بمشاعرهم..
وتغفو العينين الحزينتين على سؤال كالشوك المدبب.. كيف تتحرر من أغلال هذا النوع من الحب ؟
في زمن يتبادل فيه الصح والخطأ الأدوار وتنقلب المقاييس رأساً على عقب وتتغيّر الموازين وفق هوى أو غاية .. وتبعاً لحاجة أو .. كيف نحاسب أنفسنا .. والآخرين.. أنحن نتبع المعايير نفسها ؟؟ من الغباء انتظار حكم الناس على مدى صحة قناعاتك وسلامتها من هشاشة قناعات الآخرين ومواقفهم التعيسة ..

كيف تلوم الناس والزيف دوامة دارت برؤوس الجميع ..وحقنتهم بمخدر طويل الأمد لا فَواق منه إلا بصائبة من السماء.. ليبقوا خاضعين لها.. مقيّدين بها.. مترصدين للجديد فيها !

النوع الأول.. كلما مددتَ لهم خيطاً في طرفه وردة .. عقدوا في منتصفه عقدة لا تنحل! جرفوك بداخل دوّامات رملية إلى أسفل سافلين.. في مستوى وضيع لتكون في مصافهم ! فالحقد يأكل جوانبهم طالما كنت أطهر بكثير من طهرهم نفسه .. الذي هو في واقع الأمر عفن نبت جزافاً في سبخ ! تجدهم يزرعون لك قنابل موقوتة مخبئة هناك في ثنايا الحروف.. ليسحبون فتيلها في الوقت المناسب - إذ يتحسبون للمواقف المستقبلية السيئة قبل وقوعها، إن لم يكونوا الخالقين المتفردين لها، والمكتوبة بأسمائهم براءة اختراع السوء! - كي تنفجر في وجهك عند أول مناورة كلامية أوهموك أنها مبادرة سلام ! ينصبون الفِخاخ في أراضي الحوار وأنت تنهمر بنقاء كمطر المحبة والرضا ظناً منك بأنهم يستجلبون أطراف رضاك وسماحتك.. وهم في الواقع يراوغون طيبتك بخبثهم.. ويغرونك بكلمة سامة دُست لك وسط العسل.. تماماً كما يتلاعب صاحب الكلب بسذاجة كلبه المسكين عندما يرمي له ممازحاً قطعة عظم ليركض خلفها ويسقط في حفرة خلف المنزل !! هل سنختلف أن في أحد توجهات هذا النوع من التعامل الخفي بين البشر.. شئٌ من حب !! ربما كان هذا الصنف من الناس يستجم في منطقة نارية داخل انفعالاتك .. ومشاهدة العكر يكسو صفحة الوجه النقي، ربما يطيب له سقوطك من أعلى سرجك في خطأ افتعله وحاكه لك من أوله لآخره بإتقان الخبير ...

نوع آخر ينتقم منك على ذنب اقترفه بحقه جاره أو مديره بالعمل.. لتحتضر أنت منه وتموت، تنتحب أمانيك .. وتُسحق روحك بينما يبتسم هو في وجه جاره كل صباح ! يفرّغ مخزون الضغينة اليومي في وجهك .. وأنت كفيل بالكفاية ! تسدّد ديون من سبقوك..وتُودع رصيداً مقدّماً من الآلام والفجائع مقابل دفْع البلاء !! ويبقى الابتهال لله وحده فقط ... أن يدفع البلاء !

وتتتابع حلقات مسلسل الإسقاط والامتثال يومياً من قِبل هذا وذاك.. يُسقط عليك أردية رديئة من أمراضه النفسية ويسقيك من حُفر الوحل ويعطرك بالدخان الأسود المتفحم في آفاقه المظلمة... ويوهمك أنك مبتلى بالغباء ! ثم في مرحلة تالية يتمثل هو في شخصك ويتقمص موضع فجيعتك بقدرة فائقة على الانسحاب من جُرمه وذاته الموبّخة .. فيصبح هو المجروح .. هو المحزون .. هو المصاب ... وهو الضحية !!! فيتحول السادي إلى ماشوسي والعكس بالعكس في لحظات تمر خفية كلمح البصر لا تكاد تشعر بها إلا بألمحية عالية جداً وفطنة مستفيضة ..

حالتين بالغتين من التعقيد ومن التناقض للنفس البشرية بحيث يبدو من المستحيل الالتقاء في آن واحد... فكيف تجتمع في شخص واحد !!

ونوع آخر من مستويات التعامل العجيب مع البشر يسمى المتذبذب .. إذا أقبلتَ أنت.. يدبرون، وإذا أدبرتَ.. يقبلون ! تستهويهم لعبة الفأر والقط ويركبون البحر بحركية المد والجزر، فيربكون العلاقة بحيرتهم وتقلباتهم وخوفهم من الثبات.. ومن الاعتراف بالعلاقة ! وهذا يحدث حتى بين أشخاص من الجنس نفسه! ولا تعد تعرف أتقطع علاقتك بهم أم توطدها ! أتبقيهم تحت معرّف " الأصدقاء " أم تحذفهم من حياتك مطلقاً ومن ضمن قائمة أرقام هاتفك الجوّال لأنهم يزيدون أعبائك النفسية والوجدانية عبئاً ثقيلاً جديداً لا أكثر..ويطيلون القائمة بفراغ وجودهم ! ويعودون للاطمئنان كل صباح أن عاطفتك تجاههم لا تزال في حركة فوار .. ولا تزال جارية باتجاههم ومعطاءةً كالنهر العذْب .. ثم يُحبطون طموحاتك فيهم بإنزال ستار نهائي مفاجئ.. وبإسقاط جدار من القسوة بينك وبينهم دون مسبب، فيخذلونك لا محالة عند كل محاولة تبادل إنساني لامنفعي! ألا يدخل ما يقومون به ضمن انتهاكات حرمانية " الإخلاص " ! الإخلاص بتكبير الحرف الأول – كما يقولون بالانجليزية - !




يُتبع
(نص منشور في جريدة الجزيرة )ز

الثلاثاء، مايو 20، 2008

انطراح ( 2 )



يا آهتي......

ليتني برهة صمت تقفها حداداً على بوابة هاوية الجثث .. ثم تلوي بعدها غير عابئ بمن مات ومن بقي على قيد الحياة !!

ليتني برهة سكون بين قلمك الشامخ وصدر ورقة رحبة .. تخطني .. ترسمني .. تمحوني .. ثم تكتبني كلمة من أول السطر ..

صوتي مقبرة .. موصدة الأبواب طوال أيام الأسبوع !

وصمتي ضجيج .. وعويل .. ونعي للفرح طويل ..



فما أجمل الصمت ........................



ليتني أتفوق على مستعمراتك .. وأفيق،
حتى أتوقف عن حبك كل يوم أكثر ..

وليتك لا تثر حفيظتي وتقول .. " أنا ما اتنسيش !





"
آآآآآه .. .....

آ ...
...

مهلاً ........
.......

مهلاً .......


ترفق بي ........




سأتعلم ألا أشتاق ..
ستتعلم منابت شعر رأسي ألا تحتاج ....


وستتذكر ياسميناتي دروسك في القسوة ..... ......

امنحني بعض الوقت فقط ..............


.......

فقط ..........



.............


......

الثلاثاء، مايو 13، 2008

انطراح ( 1 )




إليك وليتني ............ جسرٌُ بين الفقد واللوعة ..
إليك يا أعز آمالي .. ويا قِبلة أحلامي ..
إليك يا آهتي التي جرحت صدري بحشرجتها ... لا هي خرجت فأراحت .. ولا هي بقيت فسكنت ! ولمَ النحيب .. ولمَ الرصانة المفقودة ... ولمَ الوعود المؤقتة ..

ليتني جسراً ممدوداً من فتائل نور وذهب تحت قدميك .. يسير بك دون أن تبذل أدنى جهد إلى مناحي الجنة ..

ليتني خطاً منحنياً في راحة كفك .. أروح وأغدو مع دخان سيجارتك ..
ليتني ذرة من نسيم الصباحات الباردة ألثم خديك وأبتعد ... ثم أعود وأبتعد ... ثم أعود .. والتصق
وأقسم ألا أغادر ندبة محفورة في الوجنتين !

ليتني رواق في أحد قصورك .. همزة وصل بين أنحائك .. أعيد تنظيم سير مشاعرك وكافة أنواع جنونك .. جنون العظمة ، وجنون الغيرة ، وجنون الفكرة ، وجنون القلق ..

ليتني ساعة حائط على جدار تلك الحجرة .. تطالعني مضطراً وأنت في أحلك الليالي البائسات !
ليتني مصب نهر جارٍ .. تغتسل فيه مطلع كل ليلة بؤس .. وتعود مياهي إليّ محملة بعبير جسدك حاملة كل أحزان العالم عن كاهلك ..

ليتني أحد كتفيك .. كنت لقنتُ الآخر درساً في نفي التعب .. والنهوض فوق الإرب .. والنفوس المريضة
والغضب ..

ليتني دون كل ما يعكر صفاء عينيك ! هل كان لزاماً عليّ أن أمر من هنا ؟؟ أتظاهر بالقوة وتتخايل كلماتي بأذيالها الطِوال .. وتتباهى في خطوات ملك .. حين تجد طريقها لمسمعك وأنا الفقيرةُ إلى الله .. المعدمةُ .. المهلهلة الجوارح ..

ألا تراني يا حبيبي .. أشحذ الهمة بك .. وأجري عملية إنعاش وإفاقة لروحي بقطرة ريق من لَماك .. لو انقطعت .. انقطعت إمدادات الحياة .. وسُبل النجاة ! في بُعدك ... تكتسي الأشياء باللون الرمادي فلا هي ظاهرة باهرة .. ولا مختفية من الوجود .. أسير أتخبط بها .. أسير وكل ما حولي هلام .. بهات .. تماوج .. لا حدود ولا نهايات !

هل تذكر ساعة مزهرة بصوتك الحبيب في صباح باكر ، سألتك فيها : في أي يوم نحن من الأيام ؟ وأجبتني : إنه الأحد .. فقلت لك : بل أحد ! هذه هي أيامي بدونك .. اثنين ... ثلاثاء ......... أربعاء ............ خميس لن أضيف لها ( أل التعريف ) وهي خالية من شفتيك .. وعطفيك .. ستبقى مبهمة ... حتى تعود ستبقى مبهمة ... حتى تعود وأنا سأبقى لا " أحد " لي سواك ....

الاثنين، مايو 12، 2008

مرور على مرتني الدنيا ..



دعني فقط أتساءل ... أيمكنني أن أجمع " كل " حرف خطته أناملك من الأصداف وقاع البحور ومن الصحاري ...... وخصلات شعر الخيول ..... أأستطيع فقط .. أن ألملم " كل " الأوراق .. والسطور .. والخربشات .. أيمكنني أن أستعير منك قلمك .. ومحبرتك / قلبك .. لليلة واحدة فقط .. هل تسمح لي أن أجول بأروقة نفسك .. وسرقة الخريطة الداخلية التي تفك بها أحلى أسرارك .. أيمكنني الارتشاف من نهرك .. والاستشراف من ينابيعك .. هل تسمح لي بأن أجمع كل ما لم تشعر به .. وكل ما قرصك .. وطعنك .. وصفعك ، وما لم يفعل بعد ! أتسمح لي بأن ألضم من مفرداتك عقود فل وياسمين وأوزع منها ما أشاء على قلوب العشاق ! أتسمح لي بأن أنتحل شخصية قلمك لأسقط عليه بعضاً من ألمي ... ومزيداً من فرحي بك ... وكأنني أكتشفك اليوم !!!!!!!! أحبتي ... هل عرفتموه ... إنه من حرك الأشياء .. وبعث الروح في كل ما هو جامد .. وأبله ..وصامد ! إنه من استنطق النجمة ... وعانق القمر .. وتجاذب الحديث مع الليل .. إنه من كتب على الصوت .. وجعله صفحة بيضاء وهو من خلق للصمت أياد خرساء .. هو من داعب الوسادة .. وشاغب الكذبة على لسان طفل هو من راقص " الرياض " كامرأة فاتنة وارتفع بها نحو السماء .. إنه من جعل العيون مراكب ولهب ... وإطفاء حريق الشفاه في كلمة " أحبك " ..... هو من صور الجفا .... برد والساعة ..... أماني .. إنه بدر بن عبد المحسن أرجو أن تنال إعجابكم هذه القراءة للعمل ... ومحاولة الغوص بداخله ..

تستحضر عيني الدمعة .. لتتراقص مع النغمة ... فوق مسرح الأحداث .. الخد ! كلما استرجعت ذاكرتي .... هذه الألغام ! كلما استحضر ألمي ... هذه الكلمات .. كأن سمعي أراد " تمرير " هذه الكذبة المفبركة ليخفف من هول الكارثة .. وليحمل مع أنفاسي .. شيئاً من ثقل الزيارة .. ثقل الزياة ؟؟؟؟؟؟ ومن الضيف ؟! الدنيا .... ؟؟ عجيب !! ترى ما الجديد ؟! " مرتني الدنيا بتسأل عن خبر ... مابه جديد عشاق ليلة اتفارقو........ وصارو بعيد " كيف تبادلنا الأدوار .. ومن الذي عبث بفصول الرواية .. جئت أنت لتسألينا ونحن الضحايا !!! نعم ..... سيدتي .. لقد أتعبنا التعب من مجيئك بقدر ما أتعبتنا طواعية الفراق واستسلامه أمامك وفي المقابل لا بد أن تضعي لنا العديد من اشارات المرور والانذارات المخيفة عند اللقاء .. وبكل ما في عصير الليمون المركز من حمض .. وبكل ما في صدور الناس من ألم هتفنا لك عند مفترق أول الطريق .. " ما به جديد " !!!!!!!
ما الفرق بين قصة فراقي أنا وحبيبي وقصته هو و حبيبته ؟؟؟؟ هل يهون الحزن لو قسم بالتساوي على قلوب كل البشر ؟؟؟؟؟ أم يهون لو علمنا أن الفراق واقع لا محالة وأنني والشاعر وأنت وحبيبته .. لسنا الأواخر على وجه " البسيطة " وبالطبع لسنا الأوائل !! بذات البديهية في وقوع الحدث الطبيعي كل يوم ... بل كل ساعة أجبنا سؤالها الساذج .. " تسأل عن خبر " ببديهية قاتلة في البرود .. باردة في الاعتراف القاتل .. " لا طاحت نجوم السما ولا تاه في الظلمى قمر .. " وأردفنا أنا وكرامتي وعذابي المكابر لا عدت إلى مثل هذا السؤال .. لا عدت إلى الوقوف هنا عند مفترق أول الطريق ! " لا تاقف الدنيا وتسأل عن خبر .. ما به جديد " هل فعلت فعلتك البارحة وجئت اليوم تدعين البراءة ! وكأنك لا تعلمين ألا أغبى من تصديق ادعات طفل بتسديده اللكمات المبرحة على وجه صاحبه القوي ,, أو أنك لا تعلمين كم هو مسلي ُ مجاراة خيال طفل آخر ينسج القصص المثيرة حول حبيبته المجهولة .. حيث المطلوب فقط هو الانصات وتمضية بعض الوقت .. فلا عواقب .. ولا خسائر محسوبة " أسهل من الكذبة على شفة طفل ...... فرقى الأحبة يا هوى " وتتعادل البديهيات في إحراز النقاط بيسر وسهولة في ملعب الحياة الحلم والكذبة البعد وليالي اللقاء " أحلى من الحلم اللي ودي لو كمل ........ كانت ليالينا سوى " آآآآآه .. يا حبيبي .... كأن رسمي ورسمك تمثالين رمليين على شاطئ خلاب يستعمر بوداعة الجزء الأكبر من جزيرة منسية ويمارس كامل حريته في عشق ذرات الساحل كما يحلو له بدون رقيب .. ولا حسيب يروح ويغدو .. ثم يروح ويغدو .. في شوق حميم وفراق لا يتجاوز الثواني يذوب صورتينا .. وقلبينا ويداعب كل ما سكن الوجدان واعتمل فيه ليستميله ... ويغويه .. في أفضح قصص الغرام المشروع وتمتزج حبات الرمل بحبات الملح في تزاوج واندماج .. العشاق تحت قانون السلطان فقط / البحر !

وهكذا .. تحولت أنا إلى ذرة ملح وتحولت أنت إلى حبة رمل .. ذبنا في لقاء خفي .. واختفينا في فراق أبدي .. كأننا يا حبيبي لم نكن يوماً وكأن شيئاً لم يكن .. وكأن شيئاً لم يكن .. وتتساءل الدنيا مرة أخرى .. ألم يكن هناك شهود .. تاريخ .. موعد ؟؟ ذكرى ؟؟ خفقة ؟؟ أجبنا وابتسامة مريضة بالسخرية تعلو نصف الشفاه " لا طاحت نجوم السما ولا تاه في الظلمى قمر " ويأتيها الجواب أكيداً وحاسماً على واحد من أصعب الأسئلة في الوجود سؤال بعده كل الأسئلة هراء ...... سؤال ... بعده كل الحياة هباء سؤال .. مفرغ من جميع أنواع الاجابات .. " لا تاقف الدنيا على أول طريق ...... فرقى الأحبة يا هوى لا تسأل جروحي متى خان الرفيق ..... عهد المحبة والهوى " وودعناها بمراسم تشبه مراسم النفي إلى ما وراء الشمس .. قبلنا بفعلتك .. فلا تكرري المجئ لتحدث مثل هذه البلبلة .. ولا تناوشي الألم فينا .. فأنت لا تتوقفين لموت أحد !! ارحلي الآن .. بهدووووووووء ... وليعد الجميع إلى سباته العميق .. وأولهم أنت يا جرح .. ما كان لك أن تفيق .. وما كانت لك هذه المباغتة .. فلتغفو .. ولتنزف .. الأفضل أن تبقى حياً ببديهية على أن تعدم ببلاهة الأشياء..

حي على وشوشة الأرواح
يا هلا بجميع الأحباء المنطرحين أمام همومهم وآمالهم
والذين طرحتهم ازارير أجهزتهم إلى هنا ...


تعالوا بنا نجد حلاً .. وعلى من لا يرغب في المحاولة...
أن لا يحبط عزيمتنا ... و" ينطرح " للمشاهدة فقط ..